عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

194

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

ويقال : أن العباس بن سريج كان إذا سئل عنه يقول : هذا رجل خفي عليه حاله ، وما أقول فيه شيئاً . قلت : هكذا قيل مع ابن سريج ، توفي قبل قتل الحلاج بثلاث سنين . ويحتمل أن يكون قال ذلك في حياته لما سئل عنه قبل أن يقتل بمدة طويلة . وكذلك ما قيل أن الجنيد وابن داود الظاهري من جملة من أفتى بقتله لا يصح ، لأن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين ، قبل قتل الحلاج بإحدى عشرة سنة . ومحمد بن داود توفي قبل قصة الحلاج باثنتي عشرة سنة . رجعنا إلى ذكر الحلاج . قالوا : وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر ، فأفتى بحل دمه ، وكتب خطه بذلك ، وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء . وقال لهم الحلاج : ظهري حمى ، ودمي حرام ، وما يحل لك أن تناولوا علي بما يبيده ، وأنا اعتقادي الإسلام ، ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة ، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين ، فالله الله في دمي . ولم يزل يردد هذا القول ، وهم يكتبون خطوطهم ، إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه . وانفضوا من المجلس ، وحمل الحلاج إلى السجن . وكتب الوزير إلى المقتدر بخبره بما جرى في المجلس ، وسير الفتوى ، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة ، وليتقدم فليضربه ألف سوط ، فإن مات وإلا اضربه ألف سوط أخرى ، ثم يضرب عنقه ، فسلمه الوزير إلى الشرطي ، وقال له ما رسم به المقتدر ، وقال له : إن لم يتلف بالضرب فبقطع يدي ثم رجله ، ثم تجز رقبته ، وتحرق جثته . وإن خدعك وقال لك : أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهباً وفضة فلا تقبل ذلك منه ، ولا ترفع العقوبة عنه ، فتسلمه الشرطي ليلاً وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة ، فأخرجه إلى عند " باب الطاق " ، وهو يتبختر في قيوده . واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم ، وضربه الجلاد ألف سوط ، ولم يتأوه ، بل قال للشرطي لما بلغ الستمائة : ادع لي عندك ، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية . فقال له : قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وكثر منه ، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل . ولما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة . ثم جز رأسه ، ثم أحرقت جثته . ولما صار رماداً ألقاه في الدجلة ، ونصب الرأس ببغداد على الجسر . وقيل : أن أصحابه جعلوا يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً . واتفق أن دجلة زاد تلك السنة زيادة وافرة ، فادعى أصحابه أن ذلك سبب إلقاء رماده فيها ، وادعى بعض أصحابه